أمينة بوعياش .. المرأة التي ستواجه البوليساريو في السويد

امرأة نشيطة لا تبتسم كثيرا، بشكل يجعل من حولها أحيانا يشتاقون إلى ابتسامتها، ففي غمرة انشغالها تنسى أن تبتسم..أمينة بوعياش امرأة لا تتوقف عن الحركة، وكأنها تبحث لطاقة دفينة تسكنها عن مخرج، تلوح من ملامحها سمة الجدية والعزم على الصعود إلى أعلى.

عندما ولدت أمينة بوعياش بتطوان عام 1957 كانت المدينة تنفض عنها غبار الاستعمار، والمغرب بالكاد يستأنس بتجربة الاستقلال، التي حملت الكثير من الصراعات الطاحنة، وحزمة آمال لجيل بأكمله.. حتى وهي تعيش بين أهل تطوان، ذوي الأصول الأندلسية والموريسكية في غالبيتهم، كانت طباعها تدل على أصولها الريفية الظاهرة في اسمها العائلي الذي يحيل على انتمائها إلى قبيلة بني بوعياش بالريف، ذلك الريف الذي لم يخضع أمام جيوش الجارة إسبانيا إلا بعدما خسرت الكثير من الرجال والعتاد، ولحق بها عار هزيمة “أنوال”، التي مرغت أنف أبناء قشتالة في التراب.

أمينة بوعياش، امرأة ولدت وترعرعت في مدينة تطوان الأندلسية، التي تحيطها الجبال من كل جانب، فتعلمت من الجبل شموخ النفس والصمود في وجه الرياح العاتية والزلازل الضاربة؛ هي امرأة ولدت في سفح الجبل وكان عليها لوحدها أن تتسلق بلا حبال حتى تصل إلى القمة؛ وفي الطريق بين السفح والقمة كان عليها أن تمر بالكثير من الخنادق والمنعرجات.

كتب على أمينة بوعياش أن تنتمي إلى جيل الألم، ذلك الجيل الذي فتح أعينه مباشرة بعد الاستقلال، وكانت أحلامه بشساعة المحيطات، لكن الصراع الدائر على السلطة في تلك الحقبة أجهض كل تلك الأحلام، وأدخل البلاد كلها حقبة الظلام الدامس، فبدأ التضييق ومسلسل الاعتقالات في صفوف النشطاء السياسيين والمثقفين اليساريين.

وطال منجل الاعتقال زوج أمينة بوعياش، وهو شاب تطواني ارتبطت به عاطفيا، ولم يكتب لقصة زواجهما أن تكون سعيدة بعدما طاله الاعتقال سنة 1976، وكانت أمينة لم تكمل ربيعها العشرين بعد، فقررت أن تدخل معترك النضال الحقوقي والسياسي لإطلاق سراح المعتقلين، بعد انخراطها في حركة عائلات المعتقلين السياسيين، فواكبت مراحل صعبة ودقيقة، جعلتها قريبة من مدى الانتهاكات التي يمكن أن يتعرض لها المواطن المغربي، في حال تعبيره عن رأي سياسي مخالف، دون أن يستعمل آلية أو وسيلة عنف. وخلال تلك اللحظات العصيبة ظهرت شخصية بوعياش القوية، وصرامتها وجديتها في الاشتغال على الملفات الحقوقية، وكانت تلك بوابة لانخراطها في صفوف الجمعية المغربية لحقوق الإنسان بعد تأسيسها عام 1979، والانخراط في صفوف الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، أيام كانت لهذا الحزب جذور ضاربة في تربة الشارع المغربي، ويلتف حوله عشرات الآلاف من المناضلين.

هكذا بدأت ابنة تطوان تصعد الجبل لترى العالم من حولها بوضوح أكبر، وبعد سنوات من النضال الحقوقي داخل الجمعية المغربية لحقوق الإنسان قررت رفقة مجموعة من رفاقها تأسيس إطار حقوقي جديد هو المنظمة المغربية لحقوق الإنسان، لتبني مقاربة نضالية مختلفة، تبتعد عن كل ما هو سياسي، وتنغمس في القضايا الحقوقية البحتة. لم يكتب لتجربة زواجها التي أدخلتها في عوالم النضال أن تستمر، لكنها كانت البوابة التي قادتها لصنع مسار حقوقي حافل.

عندما دخل المغرب تجربة التناوب عام 1998، كانت بوعياش قد قطعت مسافة كبيرة في الوصول إلى قمة القمة، فقد كانت قريبة من عبد الرحمان اليوسفي، الذي اختارها مستشارة إعلامية له، فعاشت الانفراج الحقوقي بالمغرب الذي بلغ أشده بعد اعتلاء الملك محمد السادس للعرش، كما ساهمت بفعالية في النقاشات حول جبر الضرر وتطبيق توصيات هيئة الإنصاف والمصالحة، وتوجت نضالها الحقوقي داخل المنظمة المغربية لحقوق الإنسان بانتخابها رئيسة لولايتين، لتكون أول امرأة تترأس هيئة حقوقية بالمغرب.

ولم يتوقف نضالها على الجبهة الوطنية، بل تجاوز الحدود الوطنية إلى العالمية بمشاركتها في معظم المؤتمرات المتعلقة بحقوق الإنسان والديمقراطية في دول العالم، إذ ترأست اللجان والتقارير، وأغنت المحافل بحضورها الفكري والمعرفي، وجابت الكثير من دول العالم لإعداد تقارير، ترصد حالة مرور العملية الانتخابية التشريعية والرئاسية بها، وتوجت مسارها الدولي بانتخابها قبل سنتين بأغلبية مريحة أمينة عامة للفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان، في نهاية أشغال المؤتمر الداخلي بمدينة اسطنبول التركية، وهي التي تدرجت داخل هذه الهيئة.

ويصعب ألا تجد اليوم اسم أمينة بوعياش داخل مناصب المسؤولية في عدة منظمات وهيئات حقوقية عربية ودولية، فدولاب ملابسها دائما في حقيبته، وهي متأهبة للسفر إلى أي مكان للدفاع عن حقوق الإنسان.

أمينة بوعياش امرأة تحسن الكلام، ولا تخرجه عن موضعه.. ترتيبها للأوراق وجديتها كان أحد أسرار نجاحها في مسارها الحقوقي، وهي اليوم مقبلة على تجربة جديدة، بعد تعيينها سفير للمغرب في السويد، ذلك البلد الذي يتنفس حقوق الإنسان، وتحتاج العلاقات معه إلى كثير من الحطب حتى تتجاوز الجمود الذي عرفته في الشهور الأخيرة.

اظهار المزيد في أخبار دولية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *