سحب المغرب لقواته العسكرية من الكركرات .. خلفيات ودلالات

أثار إعلان المغرب سحب قواته العسكرية بشكل أحادي من منطقة الكركرات، الواقعة على الحدود الجنوبية بين الصحراء المغربية وموريتانيا، نقاشات وتساؤلات عدة، خاصة وأن الانسحاب جاء بالتزامن مع انتشار صور تداولها رواد مواقع التواصل الاجتماعي أظهرت توقيف عناصر من جبهة البوليساريو شاحنات مغربية بسبب حملها علم المغرب وخريطة تتضمن أقاليم الصحراء المتنازع عليها. ووصلت استفزازات عناصر جبهة البوليساريو إلى حد اشتراط على سائقي الشاحنات المغربية إخفاء أعلام المملكة والخرائط المرسومة على أغطية الشاحنات من أجل المرور نحو موريتانيا عبر منطقة الكركرات.

وقبل قرار الانسحاب كان الملك محمد السادس قد نبه في وقت سابق خلال مكالمة هاتفية مع الأمين العام للأمم المتحدة إلى خطورة الوضع الأمني في منطقة الكركرات جراء ما سماها استفزازات جبهة البوليساريو؛ إذ جاء في بيان وزارة الخارجية المتعلق بحيثيات الانسحاب أن “المغرب يأمل أن يمكن تدخل الأمين العام من العودة إلى الوضعية السابقة للمنطقة المعنية، والحفاظ على وضعها، وضمان مرونة حركة النقل البري الاعتيادية، والحفاظ على وقف إطلاق النار، وتعزيز الاستقرار الإقليمي”.

ولفهم خلفيات هذا الانسحاب لابد من استحضار السياقات الحالية والتحولات الإقليمية والدولية المرتبطة بملف النزاع، ويمكن إجمال الدلالات المتعلقة بهذا القرار في ثلاثة محددات أساسية:

الأول يرتبط بالتحولات الجيو-ستراتيجية التي يعرفها العالم، خاصة في ظل التغيرات المتسارعة التي تعرفها مجموعة من المناطق بفعل تنامي النزاعات الإقليمية وظهور بعض التحديات الأمنية والاقتصادية التي باتت تؤرق المنتظم الدولي، ابتداء من الوضع في كل من سوريا وليبيا، ومرورا بظاهرة تمدد التيارات الجهادية بالرقعة العربية وما تشكله من خطر على استقرار دول تلك المناطق، وكذلك تهديد أمن أوروبا والغرب عموما، وصولا إلى الصراع حول النفوذ الذي تخوضه كل من روسيا والصين مع أوربا.

هذه العوامل ساهمت بشكل كبير في جعل ملف النزاع حول الصحراء خارج سلم الأولويات بالنسبة للقوى الغربية المؤثرة في صناعة السياسات، الأمر الذي ساهم في انحسار الطروحات الانفصالية على الساحة الدولية، لاسيما وأن البوليساريو تراهن في استراتيجيتها الدعائية على استجداء عطف واهتمام المنتظم الدولي، سواء من أجل امتصاص غضب ويأس الصحراويين بمخيمات تندوف، أو من أجل الضغط على المغرب لتقديم تنازلات والقبول بالعودة إلى طاولة المفاوضات.

وبالتالي، فالبوليساريو من خلال استفزازاتها على الحدود، تحاول جر المغرب إلى مواجهة مباشرة واصطياد ردة فعله لجذب انتباه مجلس الأمن بغية الضغط على المملكة للعودة إلى مسار المفاوضات وإخراج الجبهة من حالة العزلة التي تعيشها منذ سنوات.

سحب المغرب لقواته العسكرية من الكركرات .. خلفيات ودلالات filesالمحدد الثاني يتعلق بعودة المغرب إلى منظمة الاتحاد الافريقي؛ إذ إن الأزمة على مستوى المنطقة الحدودية “الكركرات” جاءت بالتزامن مع الإعلان عن رغبة المغرب في العودة إلى الأسرة الإفريقية في قمة كيغالي، في يوليوز 2016، حيث قبل المصادقة على طلبه في 30 يناير من هذه السنة خلال قمة أديس أبابا، خاض المغرب طيلة عشرة أشهر الماضية حربا دبلوماسية غير مسبوقة، وظف خصوم المغرب في هذه الحرب كافة الوسائل لعرقلة عودته إلى أسرته المؤسسية، تنوعت تلك الوسائل بين إقحام المفوضية الإفريقية، ومحاولة فتح جبهات جديدة لخلط الأوراق، مثل التحركات الاستفزازية في الجنوب (الكركرات) في محاولة لاصطياد رد فعل المملكة وتحركاتها للاحتجاج عليها دوليا وإقليميا، وبالتالي عرقلة عودتها إلى المنظمة الإفريقية.

لذلك، تعتبر أزمة “الكركرات” من بين الأوراق الاستراتيجية التي كانت تراهن عليها البوليساريو لعرقلة عودة المغرب إلى الاسرة الإفريقية، لكن عدم انسياق المملكة إلى هاته الاستفزازات طيلة الفترة الماضية دفع بهذه المنظمة الانفصالية إلى محاولة تسويق تواجدها العسكري إعلاميا ودعائيا داخل مخيمات تندوف لامتصاص الغضب الشعبي داخل المخيمات نتيجة حالة الاحباط واليأس المنتشرة وسط الشباب الصحراوي.

المحدد الثالث يرتبط بالوضع الجزائري؛ بحيث توجد مؤشرات عدة تؤكد أن النظام الجزائري يعيش عزلة غير مسبوقة على المستوى الخارجي، أما داخليا فالوضع ضبابي وسوداوي وينذر بالانفجار، خاصة مع صدور مجموعة من التقارير الأمنية والاستخباراتية الغربية التي ترسم صورة قاتمة حول مصير ومستقبل هذا البلد الذي بات مهددا لكي يصبح ضمن خانة الدول الفاشلة، لاسيما وأن هناك فراغا على مستوى السلطة، خاصة في ظل صعوبة إيجاد بديل لبوتفليقة، بالإضافة إلى الوضع الاجتماعي المتردي وانخفاض أسعار البترول والغاز.

لذلك، فالبوليساريو من خلال استفزازاتها المتكررة للمغرب على مستوى منطقة الكركرات، وبتواطؤ مع بعض الجهات داخل السلطة في الجزائر، تحاول أن تصدّر الأزمة الداخلية الجزائرية من خلال جر المملكة إلى مواجهات مباشرة.

وفي الختام، فالمغرب من خلال سحب القوات العسكرية يحاول تفادي كل المحاولات الاستفزازية التي غايتها إعادة تسليط الأضواء على ملف النزاع وفتح مسار المفاوضات من جديد. لكن استمرار هذا الوضع وتكراره يمكن أن ينعكس سلبا على مصالح المغرب الحيوية ويمس هيبته في المنطقة؛ لذلك فالردع يمكن إعماله بطرق أخرى ليس بالضرورة عبر المواجهة العسكرية التي يسعى إليها الخصوم للخروج من عنق الزجاجة.

اظهار المزيد في أخبار دولية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *